ابن قتيبة الدينوري
14
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
قل - لنحمد الله تعالى على النعمة ونعلم أن الحق مستغن عن الحيلة ، ولم أعد في أكثر الرد عليهم طريق اللغة . فأما الكلام فليس من شأننا ولا أرى أكثر من هلك إلا به وبحمل الدين على ما يوجبه القياس ألا ترى ان أهل القدر حين نظروا في قدر الله الذي هو سره بآرائهم وحملوه على مقاييسهم أرتهم أنفسهم قياسا على ما جعل في تركيب المخلوق من معرفة العدل من الخلق على الخلق ، أن يجعلوا ذلك حكما بين الله وبين العبد فقالوا بالتخلية والاهمال وجعلوا العباد فاعلين لما لا يشاء وقادرين على ما لا يريد كأنهم لم يسمعوا باجماع الناس على « ما يشاء الله كان وما لا يشاء لا يكون » وقالوا كيف يضل ويعذب ويريد ويكره ويحول ويكلف ؟ وهل قصر فاعل هذا عن أفحش الظلم ونسوا ما يلزمهم في اختلاف الحكمين وان من ملك البعض ليس كمن ملك الكل وأن الخلق كله لله يميت ويحيي ويفقر ويغني ويصح ويسقم ويبتدئ بالنعم من شاء ويصطفي للرسالة من شاء ويؤيده بالتوفيق ويملأ قلبه بالنور ويعصمه من الذنوب ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة وانه لو لم يرد المعصية « 1 » لما هيأهم هيئة المعصية ولما ركب فيهم آلة الشهوة ، كما طبع الملائكة ، ولا سلط عليهم عدو هم ثم أمر هم بالاحتراس ، وأنى للضعيف الاحتراس ممن حرست منه السماوات بالنجوم ، ومنع من الاستماع بالرجوع وجعل له السبيل إلى القلوب من حيث لا يرى فهو يجري مجرى الدم ويوسوس ويخنس ولا يعصمه الله ، ولا خلق الله آدم للأرض وأسكنه الجنة وحرم عليه الشجرة وقد علم أنه سيغر فيغتر ويستزل فيزل حتى يخرجه منها إلى حيث جعل له فيه مستقرا ومتاعا إلى حين ولما اطرد لهم القول على ما أصلوا ورأوه حسن الظاهر قريبا من النفوس يروق
--> ( 1 ) إيقاع الإرادة مباشرة على المعصية مما يأباه الأدب في جانب الله وإن كانت إرادة الله ومشيئته عامة كما يظهر من تتبع موارد ذلك في الكتاب والسنة وشمول ارادته تعالى لأفعال العباد الاختيارية يحقق الاختيار وفي إفادة المصنف نوع إيهام .